أبي منصور الماتريدي
203
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
نزول العذاب وغيب ما في الأرض ؛ كأنه خرج جواب ما سألوه من العذاب ؛ كقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ [ العنكبوت : 53 ] وكقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] وقوله : ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فقال : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : علم ذلك عند الله ، وكقوله : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الأنعام : 58 ] وأمثاله . ويشبه أن يكون جواب ما تحكموا على الله من إنزال القرآن ، وجعل الرسالة في غيره كقولهم « 1 » : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] و لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] فقال : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ . . . الآية [ الزخرف : 32 ] ، وقال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] فعلى ذلك قوله : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إلى الخلق ، والله أعلم بما أراد وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إليه يرجع أمر الخلق كله وتدبيرهم فَاعْبُدْهُ أي : اعبده في خاص نفسك وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في تبليغ الرسالة إليهم ؛ أي : لا يمنعنك كيدهم ومكرهم بك عن تبليغ الرسالة ، ولا تخافن منهم ، فإن الله يحفظك من كيدهم ومكرهم بك ؛ كقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] و وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ هذا يؤيد ما ذكرناه ؛ أي : ما ربك بغافل عما يريدون بك من كيدهم ومكرهم ؛ بل يعلم ذلك ، وينصرك ، وينتصر منهم ، وهو كقوله لموسى وهارون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى . قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى . قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 44 ، 46 ] أي : اسمع قوله وجوابه [ إياكما ، وأرى ما يفعل ، أي : أنصركما فلا تخافا ؛ فعلى ذلك الأول ، والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم ] « 2 » . * * *
--> ( 1 ) في أ : كقوله . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .